الشيخ محمد النهاوندي

155

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

حظّنا ، وممنوعون من رزقنا . ثمّ استدلّ سبحانه على قدرته الكاملة بإنزال ما يشربونه من الماء العذب بقوله : أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ وأخبروني عنه أَ أَنْتُمْ بقدرتكم أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ والسّحاب المتّصل بالماء أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ له بقدرتنا لشربكم الذي هو أهمّ منافعكم ، وبه بقائكم ؟ ثمّ بالغ سبحانه في إظهار قدرته بقوله : لَوْ نَشاءُ عدم استقائكم جَعَلْناهُ وصيّرناه أُجاجاً ومرّا من شدّة الملوحة ، فلا يمكنكم شربه فَلَوْ لا وهلّا تَشْكُرُونَ اللّه على إكمال نعمة مأكولكم بنعمة مشروبكم ؟ قيل : تصدير جزاء الشرطية الأولى باللام للدلالة على أن سلب نعمة المأكول أشدّ على [ الانسان من سلب ] نعمة المشروب ، لكون الحاجة إلى المشروب تبع للحاجة إلى المأكول « 1 » . عن ابن عباس : أنّ تحت العرش بحر تنزل [ منه ] أرزاق الحيوانات ن يوحي اللّه إليه ما شاء من السماء إلى السماء ، حتى ينتهي إلى سماء الدنيا ، ثمّ يوحي اللّه إلى سماء الدنيا أن غربليه فتغربله ، فليس من قطرة تقطر إلّا ومعها ملك يضعها موضعها ، ولا تنزل من السماء قطرة إلّا بكيل معلوم ووزن معلوم ، إلّا ما كان من يوم الطّوفان ، فانّه نزل بغير كيل ووزن « 2 » . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 71 إلى 73 ] أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 ) ثمّ استدلّ سبحانه بالنار المنقدحة من الزّناد بقوله : أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ وأخبروني عن البرقة التي تقدحونها وتخرجونها من عودين يحك أحدهما بآخر أَ أَنْتُمْ أيّها العرب أَنْشَأْتُمْ وأوجدتم بقدرتكم شَجَرَتَها التي منها الزّند والزّندة ، وهي المرخ والعفار « 3 » ؟ وقيل : أريد مطلق الشجر الذي يصلح للإيقاد « 4 » أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ والموجدون لها بقدرتنا ؟ ثمّ بيّن سبحانه منافع النار بقوله : نَحْنُ بقدرتنا وحكمتنا جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومنبها لصحة البعث ، حيث إنّ من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر ، قادر على أن يخلق في بدن الميت حرارة غريزية يحيا بها الميت ، أو تذكرة لنار القيامة ، فيخشى العاقل من عذاب ربّه إذا رأى النار الموقدة وَمَتاعاً ومنفعة مهمة لِلْمُقْوِينَ والمسافرين الذين ينزلون البوادي والقفار ، فانّهم اشدّ

--> ( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 334 . ( 3 ) . المرخ : شجر سريع الوري يقتدح به . والعفار : شجر يتّخذ منه الزّناد . ( 4 ) . تفسير الرازي 29 : 184 .